الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
27
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و ( المأمن ) مكان الأمن ، وهو المكان الذي يجد فيه المستجير أمنه السابق ، وذلك هو دار قومه حيث لا يستطيع أحد أن يناله بسوء . وقد أضيف المأمن إلى ضمير المشرك للإشارة إلى أنّه مكان الأمن الخاصّ به ، فيعلم أنّه مقرّه الأصلي ، بخلاف دار الجوار فإنّها مأمن عارض لا يضاف إلى المجار . وجملة : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ في موضع التعليل لتأكيد الأمر بالوفاء لهم بالإجارة إلى أن يصلوا ديارهم ، فلذلك فصلت عن الجملة التي قبلها ، أي : أمرنا بذلك بسبب أنّهم قوم لا يعلمون ، فالإشارة إلى مضمون جملة : فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أي لا تؤاخذهم في مدّة استجارتهم بما سبق من أذاهم لأنّهم قوم لا يعلمون - وهذه مذمّة لهم بأنّ مثلهم لا يقام له وزن - وأوف لهم به إلى أن يصلوا ديارهم لأنّهم قوم لا يعلمون ما يحتوي عليه القرآن من الإرشاد والهدى ، فكان اسم الإشارة أصلح طرق التعريف في هذا المقام ، جمعا للمعاني المقصودة ، وأوجزه . وفي الكلام تنويه بمعالي أخلاق المسلمين وغض من أخلاق أهل الشرك ، وأنّ سبب ذلك الغضّ الإشراك الذي يفسد الأخلاق ، ولذلك جعلوا قوما لا يعلمون دون أن يقال بأنّهم لا يعلمون : للإشارة إلى أنّ نفي العلم مطّرد فيهم ، فيشير إلى أنّ سبب اطّراده فيهم هو نشأته عن الفكرة الجامعة لأشتاتهم ، وهي عقيدة الإشراك . والعلم ، في كلام العرب ، بمعنى العقل وأصالة الرأي ، وأنّ عقيدة الشرك مضادة لذلك ، أي كيف يعبد ذو الرأي حجرا صنعه وهو يعلم أنّه لا يغني عنه . [ 7 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 7 ] كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 7 ) استئناف بياني ، نشأ عن قوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ التوبة : 1 ] ثم عن قوله : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 3 ] - وعن قوله - فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 5 ] التي كانت تدرجا في إبطال ما بينهم وبين المسلمين من عهود سابقة ، لأنّ ذلك يثير سؤالا في نفوس السامعين من المسلمين الذين لم يطلعوا على دخيلة الأمر ، فلعلّ بعض قبائل العرب من المشركين يتعجّب من هذه البراءة ، ويسأل عن سببها ، وكيف أنهيت العهود وأعلنت الحرب ، فكان المقام مقام بيان سبب ذلك ، وأنّه أمران : بعد ما بين العقائد ، وسبق الغدر .